الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
99
مختصر الامثل
ومن الواضح أنّ ذكر اللَّه عزّ وجل إذا دخل أعماق روح الإنسان ، وسمع الآيات القرآنية بتدبّر فإنّها تكون سبباً للخشوع ، والقرآن الكريم هنا يلوم بشدة قسماً من المؤمنين لعدم خشوعهم أمام هذه الأمور ، لأنّه قد إبتلي كثير من الأمم السابقة بمثل هذا من الغفلة والجهل . وهذه الغفلة تؤدّي إلى قساوة القلب وبالتالي إلى الفسق والعصيان . إنّ آية : « أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ . . . » من الآيات المثيرة في القرآن الكريم ، حيث تليّن القلب ، وترطّب الروح وتمزّق حجب الغفلة . لذلك نلاحظ بصورة مستمرة أنّ أفراداً مذنبين جدّاً قد هداهم اللَّه إلى طاعته بعد سماعهم هذه الآية التي وقعت في نفوسهم كالصاعقة ، وأيقظتهم من سباتهم وغفلتهم التي كانوا فيها ، ولهذا شواهد عديدة حيث تنقل لنا كتب التاريخ العديد منها ، حتى أنّ البعض منهم أصبح في صفّ الزهّاد والعبّاد . ولأنّ إحياء القلوب الميتة لا يكون إلّابالذكر الإلهي ، الحياة الروحية التي لن تكون إلّا بظل الخشوع والخضوع وخاصة في أجواء القرآن الكريم . . . لذا فإنّ القرآن يشبّه عملية إحياء القلوب الميتة بإحياء الأراضي الميتة ، فكما أنّ هذه تحيا ببركة نزول الأمطار كذلك فإنّ القلوب تحيا بذكر اللَّه سبحانه . . . حيث يضيف سبحانه في الآية اللاحقة : « اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . هذه الآية تشير إلى إحياء الأراضي بوسيلة المطر ، كذلك فإنّ إحياء القلوب الميتة يكون بواسطة ذكر اللَّه وقراءة القرآن المجيد الذي نزل من سماء الوحي على القلب الطاهر للنّبي محمّد صلى الله عليه وآله وكلاهما جديران بالتدبر والتعقل . ويرجع مرّة أخرى في الآية اللاحقة إلى مسألة الإنفاق ، والتي هي إحدى ثمار شجرة الإيمان والخشوع ، حيث يتكرر نفس التعبير الذي قرأناه في الآيات السابقة مع إضافة ، حيث يقول تعالى : « إِنَّ الْمُصَّدّقِينَ وَالْمُصَّدّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ » . إنّ المقصود من القرض الحسن للَّهفي هذه الآيات والآيات المشابهة هو الإنفاق في سبيل اللَّه ، بالرغم من أنّ القرض لعباد اللَّه هو من أفضل الأعمال أيضاً .